في سياق تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، صادق البرلمان المغربي على مشروع القانون القاضي بنقل تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس) إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، في خطوة وُصفت بأنها إصلاح هيكلي عميق يمس أحد أهم ركائز الدولة الاجتماعية.
ويهدف هذا الإجراء، حسب الخطاب الرسمي، إلى توحيد منظومة التغطية الصحية، تبسيط المساطر الإدارية، والرفع من نجاعتها، عبر جعل مؤسسة واحدة تشرف على تدبير التأمين الصحي لفائدة القطاعين العام والخاص، انسجاما مع التوجهات الكبرى للقانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية.
غير أن هذا الدمج، ورغم وجاهة مبرراته النظرية، أثار نقاشا واسعا وجدلا سياسيا ونقابيا حادا، خاصة في صفوف موظفي القطاع العام، الذين عبّروا عن تخوفهم من أن يتحول الإصلاح من أداة للتحديث إلى مدخل للمساس بالمكتسبات الاجتماعية التي راكموها عبر نظام “كنوبس”، سواء من حيث جودة الخدمات أو مستوى التعويضات.
وتكمن إحدى الإشكالات المركزية في غياب ضمانات عملية ومفصلة تطمئن المنخرطين، خصوصا في ما يتعلق بكيفية تدبير المرحلة الانتقالية، ومصير الاحتياطات المالية، والحفاظ على خصوصيات التغطية الصحية للقطاع العام. كما يثير البعض تساؤلات مشروعة حول قدرة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على تحمل أعباء إضافية دون التأثير على توازناته المالية أو جودة خدماته.
إن إصلاح منظومة التغطية الصحية مطلب وطني لا خلاف حوله، لكن نجاحه يظل رهينا بمدى احترام مبدأ الحوار الاجتماعي، وضمان الشفافية، وتحصين الحقوق المكتسبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بتغيير الهياكل، بل بمدى انعكاسه الإيجابي على حياة المواطنين وثقتهم في المؤسسات.
وعليه، فإن دمج كنوبس في CNSS يظل ورشا مفتوحا على جميع الاحتمالات، بين طموح التوحيد ومخاوف التراجع، ما يفرض يقظة مجتمعية ومؤسساتية دائمة، حتى لا يتحول الإصلاح الاجتماعي من فرصة للإنصاف إلى عبء جديد على الفئات المتوسطة والموظفين.






