الجديدة – بقلم هيئة التحرير
يواجه الأمن القضائي بإقليم الجديدة امتحاناً مسطرياً دقيقاً، معروضاً حالياً على ردهات محكمة الاستئناف؛ وهو ملف يضع القواعد الآمرة لقانون المسطرة الجنائية على محك النقاش الحقوقي والآراء الفقهية، وسط تساؤلات يطرحها المتابعون للشأن المحلي حول حدود “المناورة الإجرائية” وسياقات “التمطيط المسطري” في القضايا المرتبطة بمدبري الشأن العام.
الملف الذي يتابع فيه رئيس جماعة “البير الجديد”، بعد إدانات ابتدائية موقوفة التنفيذ مقرونة بغرامات مالية، لم يعد مجرد قضية جنحية عادية، بل تحول في نظر المهتمين إلى “قضية إشكالية” تمس جوهر استقرار المساطر القضائية وحجية المحررات الرسمية الصادرة عن جهاز كتابة الضبط.
واقعة الأيام العشرة: استئناف في مواجهة محرر رسمي
تفيد المعطيات المتوفرة بأن المحكمة الابتدائية بالجديدة كانت قد حسمت في وقت سابق مسار المتابعة، وبلغت الإجراءات سقفها الزمني القانوني، مما حدا بكتابة الضبط بالمحكمة ذاتها إلى تسليم “شهادة رسمية تفيد بعدم الطعن بالاستئناف”.
هذه الشهادة، في العرف القانوني المستقر، تعني حيازة الحكم لقوة الشيء المقضي به، واستنفاد الأجل الصارم المحدد في 10 أيام بموجب المادة 399 من قانون المسطرة الجنائية، وهو ما يفتح تلقائياً الباب أمام تفعيل المساطر الإدارية المرتبطة بنزاهة وتدبير المنتخبين للمجالس الترابية.
لكن المفاجأة القانونية التي استوقفت الأوساط الحقوقية تجلت في قبول المقال الاستئنافي المرفوع من طرف رئيس الجماعة بعد مرور أشهر على صدور هذه الشهادة الرسمية. هذا الوضع يطرح علامة استفهام كبرى حول كيفية تجاوز الآجال القانونية الصارمة، ومدى مشروعية القفز على الحجية المطلقة لمحرر رسمي صادر عن النظام المعلوماتي للمحكمة، عوض القضاء تلقائياً بـ”عدم قبول الاستئناف شكلاً لوروده خارج الأجل القانوني”.
“إشكال مسطري”: التعرض على حكم بمثابة حضوري
لم تقف الغرابة الإجرائية عند محطة الاستئناف المتأخر؛ بل تواصلت بعد صدور قرار استئنافي بصفة “بمثابة حضوري” في مواجهة المعني بالأمر، حيث تفاجأ المتابعون بسلك مسطرة “التعرض” ضد هذا القرار، بدعوى أنه حكم غيابي.
وهنا يبرز الإشكال المسطري الصريح الذي لا يقبل التأويل؛ فـالمادة 391 من قانون المسطرة الجنائية واضحة قطعية في منطوقها: الأحكام بمثابة الحضوروية لا تقبل الطعن بالتعرض مطلقاً، وإنما يكون سبيل الطعن الوحيد فيها هو النقض أمام محكمة النقض بالرباط. إن قبول هذا التعرض وتكييفه يفتح الباب أمام شبهة “التمطيط الإجرائي” بهدف يرى فيه مراقبون سعياً وراء ملامسة سقف “تقادم الدعوى العمومية” والإبقاء على كرسى الرئاسة خارج سلطة الأحكام القضائية الجاهزة للتنفيذ.
المسؤولية الدستورية وحماية الأمن القضائي
إن إثارة هذه الاختلالات المسطرية يأتي في سياق وطني صارم عنوانه “ربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق الحياة العامة”، وهو السياق المرتكز على التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى حماية الأمن القضائي للمواطنين وتوطيد نزاهة الأحكام. كما يتزامن مع الدينامية الصارمة التي يشهدها إقليم الجديدة تحت إشراف النيابة العامة لضمان سيادة القانون ومحاربة شتى الاختلالات الإدارية والمالية.
أمام هذا الوضع، تتوجه الأنظار مباشرة نحو الرئاسة الأولى لمحكمة الاستئناف بالجديدة، بصفتها الساهر الدستوري والقانوني الأول (وفق الفصلين 110 و117 من الدستور المغربي) على التطبيق العادل للقانون وحماية حرمة المحاكم وصيانة الأمن القضائي. فالرأي العام المحلي والقانوني يتطلع اليوم إلى كلمة فصل قضائية تعيد للمساطر هيبتها الصارمة: فلا مكان للالتفاف على الآجال، ولا مجال لتحويل الشهادات الرسمية للمحاكم إلى حبر على ورق، ولا حصانة للمناورات الإجرائية في مغرب دولة الحق والقانون والمؤسسات.






