عرف المشهد السياسي المغربي خلال الآونة الاخيرة تطورا جديدا تمثل في الإعلان عن إيداع ملف تأسيس حزب سياسي يحمل اسم حزب التضامن الشعبي لدى مصالح وزارة الداخلية، وهو معطى أعاد إلى الواجهة النقاش المتجدد حول واقع التعددية الحزبية، وحدود التجديد السياسي، ومدى قدرة الاحزاب الناشئة على تقديم قيمة مضافة حقيقية في ظل عزوف سياسي متنامي وانتظارات اجتماعية متراكمة.
وحسب ما ورد في المعطيات الرسمية، فإن ملف تأسيس الحزب جرى إيداعه بتاريخ 12 دجنبر 2025، وفقا لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالاحزاب السياسية، وهو ما يضع المشروع الحزبي في اطاره القانوني السليم من حيث الشكل والمساطر المعتمدة.
مسطرة قانونية لا تعني الاعتراف النهائي
يؤكد متابعون للشأن السياسي ان إيداع ملف التصريح بتأسيس حزب سياسي لا يعني تلقائيا الاعتراف النهائي به كفاعل سياسي، بل يشكل فقط المرحلة الاولى من مسطرة قانونية دقيقة، تخضع لمراقبة الجهات المختصة من حيث مطابقة الوثائق للدستور وللقانون التنظيمي المنظم للعمل الحزبي.
ويتضمن الملف، وفق المعطيات المتداولة، التصريح بالتأسيس، ومشاريع النظام الاساسي والبرنامج السياسي، إضافة إلى ازيد من ثلاثمائة تصريح فردي لمؤسسين يتعهدون بعقد المؤتمر التأسيسي داخل الاجال القانونية، وهي معطيات تعكس توفر الشروط الشكلية الاولية، في انتظار استكمال باقي المراحل.
سياق سياسي متأزم وانتظارات مرتفعة
يأتي مشروع حزب التضامن الشعبي في سياق سياسي خاص، يتسم بتراجع منسوب الثقة في الاحزاب والمؤسسات التمثيلية، وبتنامي الشعور بعدم الجدوى السياسية لدى فئات واسعة من المواطنات والمواطنين، خاصة الشباب، وهو ما يجعل أي مبادرة حزبية جديدة مطالبة بتقديم اجابات عملية لا مجرد شعارات عامة.
فالرهان اليوم، بحسب عدد من المحللين، لا يكمن في عدد الاحزاب، بل في نوعية العرض السياسي، ومدى قدرة الفاعلين الجدد على ملامسة القضايا الحقيقية للمجتمع، من بطالة، وغلاء معيشة، وتفاوتات اجتماعية، وضعف الخدمات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بين الخطاب والممارسة
ويبقى السؤال الجوهري المطروح هو ما اذا كان حزب التضامن الشعبي قادرا على تجاوز منطق التأسيس الاداري، والانتقال الى بناء مشروع سياسي واضح المعالم، بخطاب واقعي، وتنظيم ديمقراطي داخلي، ونخب قادرة على الانخراط الجاد في العمل السياسي، بعيدا عن منطق الزعامة او اعادة تدوير الوجوه نفسها.
كما يظل نجاح الحزب رهينا بمدى قدرته على الانفتاح على المجتمع، والتفاعل مع الحركات الاجتماعية والمدنية، وتبني خطاب صريح ومسؤول، يعيد الاعتبار للفعل السياسي كوسيلة لخدمة الصالح العام، لا كأداة للتموقع او البحث عن الامتيازات.
مسؤولية التجديد السياسي
إن بروز مبادرات حزبية جديدة، من قبيل حزب التضامن الشعبي، يضع الفاعل السياسي امام مسؤولية اخلاقية وتاريخية، تتمثل في المساهمة في تجديد الحياة السياسية، لا في تعميق ازمتها، وفي تعزيز الثقة، لا في توسيع فجوة العزوف.
وبين منطق الحق الدستوري في التعددية السياسية، وضرورة النجاعة والجدوى، يبقى الحكم النهائي بيد الممارسة الميدانية، ومدى قدرة الحزب على اثبات حضوره كرقم فاعل، لا كاسم عابر في خريطة حزبية تعرف اصلا حالة تشبع.






