أثار البلاغ الصادر عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بشأن الوضع الصحي بالسجن المحلي الجديدة 2 نقاشا حقوقيا وقانونيا حول واقع التغطية الطبية داخل المؤسسة، ومدى كفاية التدابير المعتمدة لضمان استفادة النزلاء من خدمات صحية منتظمة وفعالة.
فالبلاغ أكد أن الطبيب المزاول بالسجن المحلي الجديدة 2 يوجد في رخصة مرضية طويلة الأمد، وأن هذا الوضع استدعى تكليف طبيب السجن المحلي الجديدة 1 بالإشراف على الخدمات الطبية بالمؤسستين. كما أوضح أنه، خلال فترة استفادة طبيب الجديدة 1 من رخصته السنوية، تم تكليف طبيبين عاملين بالسجن المحلي بالمحمدية بتأمين التدخلات الطبية الضرورية بالسجنين المحليين الجديدة 1 والجديدة 2.
وبناء على هذه المعطيات الرسمية، يتضح أن المندوبية لم تنف غياب الطبيب المزاول بالسجن المحلي الجديدة 2، بل أكدت وجود هذا الغياب وقدمت التدابير التنظيمية التي اعتمدتها لضمان عدم انقطاع الخدمات الصحية. غير أن تأكيد استمرارية الخدمات يفتح، في المقابل، بابا مشروعا للنقاش حول مدى كفاية التغطية الطبية المعتمدة وفعاليتها على أرض الواقع.
فالفرق بين ضمان استمرارية الخدمة وضمان كفايتها يظل جوهريا. إذ إن استمرارية الخدمة تعني اتخاذ تدابير تنظيمية لتفادي حدوث فراغ طبي، من خلال التكليف أو التعويض أو الاستعانة بأطر طبية من مؤسسة أخرى، بينما ترتبط كفاية الخدمة بمدى قدرة هذه التدابير على ضمان الولوج الفعلي إلى الفحص والعلاج والمتابعة الطبية، والاستجابة للحاجيات الصحية داخل المؤسسة في الوقت المناسب.
ومن ثم، فإن وجود طبيب مكلف أو اعتماد ترتيبات بديلة لا يحسم، لوحده، في مدى كفاية التغطية الصحية، لأن تقييم فعالية الخدمة يظل مرتبطا بمعطيات عملية، من بينها عدد الأطباء والممرضين المتوفرين، وعدد أيام الحضور الطبي، وطبيعة الخدمات المقدمة، وحجم الحاجيات الصحية، وكيفية تدبير الحالات المستعجلة، وضمان متابعة الحالات التي تحتاج إلى رعاية منتظمة أو متخصصة.
ويكتسي هذا النقاش أهمية دستورية، بالنظر إلى أن الفصل 23 من دستور المملكة ينص على أن كل شخص معتقل يتمتع بحقوقه الأساسية وبظروف اعتقال إنسانية، كما يكرس الفصل 31 الحق في العلاج والعناية الصحية، ويلزم الدولة والمؤسسات العمومية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير الاستفادة من هذه الحقوق.
ولا يعني الحرمان من الحرية سقوط الحقوق الأساسية أو تعليق الحق في الرعاية الصحية، بل تظل المؤسسات المختصة مطالبة بضمان ظروف اعتقال إنسانية وصون سلامة النزلاء وكرامتهم، وفق ما تقتضيه النصوص القانونية والمبادئ الدستورية.
كما أن القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية جاء في إطار تعزيز ضمانات حقوق النزلاء وتحسين أوضاعهم الإنسانية، بما ينسجم مع المقتضيات الدستورية المرتبطة بحماية الحقوق الأساسية داخل المؤسسات السجنية.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال لا يتعلق بما إذا كانت المندوبية قد اتخذت تدابير لتأمين استمرارية الخدمات، إذ إن البلاغ أكد اعتماد ترتيبات بديلة، وإنما يتعلق بمدى قدرة هذه التدابير على توفير تغطية صحية مستقرة وكافية تستجيب للحاجيات الفعلية للنزلاء.
فهل يتيح نظام التكليف المعتمد حضورا طبيا منتظما داخل السجن المحلي الجديدة 2؟ وهل تتوفر المؤسسة على عدد كاف من الأطر الطبية والتمريضية؟ وكيف يتم ضمان الاستجابة السريعة للحالات المستعجلة ومتابعة الحالات المزمنة أو التي تحتاج إلى علاج متخصص؟
إنها أسئلة مشروعة لا تعني اتهام الإدارة بالتقصير، ولا تنفي المجهودات التي قد تبذل لضمان استمرار الخدمات، وإنما تندرج في إطار النقاش العمومي حول مدى فعالية التغطية الصحية وملاءمتها للحاجيات القائمة.
وقد يكون تكليف طبيب بالإشراف على مؤسستين، أو الاستعانة بأطباء من مؤسسة سجنية أخرى خلال فترات الغياب، تدبيرا تنظيميا ضروريا لتفادي أي فراغ في الخدمات. غير أن طبيعة هذه الحلول تثير، في المقابل، تساؤلات حول مدى استدامتها، وحول الحاجة إلى توفير موارد طبية وتمريضية قارة تضمن استمرارية الرعاية وجودتها في آن واحد.
فالحق في العلاج لا يقاس فقط بوجود ترتيبات إدارية بديلة، بل بمدى الولوج الفعلي إلى الخدمة الصحية، وسرعة الاستجابة، وانتظام المتابعة، وقدرة الموارد المتوفرة على تلبية الحاجيات في الوقت المناسب.
وإذا كان بلاغ المندوبية قد قدم توضيحات بشأن كيفية تدبير غياب الطبيب، فإن تعزيز الثقة وتبديد تساؤلات الأسر والرأي العام يقتضيان تقديم معطيات أكثر دقة حول واقع التغطية الصحية داخل السجن المحلي الجديدة 2، وعدد الأطر الطبية والتمريضية المتوفرة، وطبيعة حضورها، وكيفية ضمان المتابعة الصحية للنزلاء.
إن ضمان استمرارية الخدمات الصحية يظل أمرا إيجابيا وواجبا مؤسساتيا، غير أن الرهان الحقوقي الحقيقي يتمثل في الانتقال من تدبير الغياب عبر حلول بديلة إلى توفير تغطية طبية مستقرة وكافية، تضمن فعالية الحق في العلاج وتحفظ كرامة النزلاء وسلامتهم.
وبين ما أكدته المندوبية من اتخاذ تدابير لضمان استمرار الخدمات، وما تفرضه المقتضيات الدستورية والقانونية من حماية للحقوق الأساسية، يبقى السؤال مشروعا: هل تضمن الترتيبات الحالية استمرارية الخدمة فقط، أم توفر أيضا تغطية صحية كافية ومنتظمة تستجيب للحاجيات الفعلية داخل السجن المحلي الجديدة 2؟






